محمد جمال الدين القاسمي

302

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

تنبيه : دلت الآية على أن الأنبياء ، بعد استيفاء أجلهم الدنيويّ ، ونقلهم إلى البرزخ لا يعلمون أعمال أمتهم . وقد روى البخاري « 1 » هنا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : خطب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا أيها الناس ! إنكم محشرون إلى اللّه حفاة عراة غرلا . ثم قال : كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ إلى آخر الآية ، ثم قال : ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم . ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا رب ! أصيحابي . فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك . فأقول كما قال العبد الصالح : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ فيقال : إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 118 ] إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 118 ) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قال الحافظ ابن كثير : هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى اللّه عزّ وجلّ . فإنه الفعال لما يشاء لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 23 ] . ويتضمن التبرؤ من النصارى الذين كذبوا على اللّه ورسوله . وجعلوا للّه ندّا وصاحبة وولدا . تعالى اللّه عما يقولون علوّا كبيرا . انتهى . أي : إن تعذبهم فإنك تعذب عبادك . ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل بملكه . وفيه تنبيه على أنهم استحقوا ذلك لأنهم عبادك وقد عبدوا غيرك . وإن تغفر لهم فلا عجز ولا استقباح . لأنك القادر القوي على الثواب والعقاب . الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب . فإن المغفرة مستحسنة لكل مجرم . فإن عذبت فعدل ، وإن غفرت ففضل . وعدم غفران الشرك مقتضى الوعيد . فلا امتناع فيه لذاته ، ليمتنع الترديد والتعليق ب ( إن ) . أفاده البيضاوي . يعني أن المغفرة ، وإن كانت قطعية الانتفاء بحسب الوجود ، لكنها لما كانت بحسب العقل ، تحتمل الوقوع واللاوقوع ، استعمل فيها كلمة ( إن ) فسقط ما يتوهم

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في أبواب متعددة من صحيحه وأولها ما جاء في : الأنبياء ، 8 - باب قوله تعالى : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا ، حديث 1585 .